من المهم التمييز بين أربعة أنواع: دراسة نقدية مستقلة، قراءة أو تقديم لعمل، حوار صحفي، وشهادة أو خبر ثقافي عن الكاتب. وبعد التحقق، هذه أبرز الأسماء التي أمكن توثيقها بوضوح:
في هذه الحلقة، أصحبكم في رحلةٍ إلى واحدةٍ من أعظم الروايات التي أنجبتها الرواية الإنجليزية في القرن التاسع عشر، وهي رواية «ديفيد كوبرفيلد» للكاتب البريطاني الكبير Charles Dickens، التي نُشرت متسلسلةً بين عامَي 1849 و1850، قبل أن تصدر في كتابٍ كامل سنة 1850.
وُلِدَ غَابْرِيِيل غَارْسِيَا مَارْكِيز فِي
بَلْدَةٍ كُولُومْبِيَّةٍ صَغِيرَةٍ تُدْعَى أراكاتاكا، وَحَمَلَ مَعَهُ ذَاكِرَةَ
الْقُرَى اللَّاتِينِيَّةِ وَأَسَاطِيرَهَا وَحِكَايَاتِهَا الشَّعْبِيَّةَ. وَفِي
«مِئَةِ عَامٍ مِنَ الْعُزْلَةِ» بَلَغَ مَشْرُوعُهُ السَّرْدِيُّ ذُرْوَتَهُ،
حَيْثُ صَاغَ عَالَمًا تَخْتَلِطُ فِيهِ الْحَقِيقَةُ بِالْخُرَافَةِ،
وَالتَّارِيخُ بِالْحُلْمِ، وَالْوَاقِعُ بِالْمُعْجِزَةِ.
وُلِدَ فِيودُورُ دُوسْتُويِفْسْكِي فِي الْقَرْنِ
التَّاسِعِ عَشَرَ، وَيُعَدُّ مِنْ أَكْبَرِ كُتَّابِ الرِّوَايَةِ فِي
التَّارِيخِ. عَرَفَ السِّجْنَ وَالْمَنْفَى وَالْفَقْرَ وَالْمَرَضَ، وَتَرَكَتْ
تِلْكَ التَّجَارِبُ بَصْمَاتِهَا الْعَمِيقَةَ عَلَى أَعْمَالِهِ. وَقَدْ
نُشِرَتْ رِوَايَةُ «الْجَرِيمَةُ وَالْعِقَابُ» سَنَةَ 1866، وَسُرْعَانَ مَا
أَثَارَتْ إِعْجَابَ الْقُرَّاءِ وَالنُّقَّادِ بِمَا حَمَلَتْهُ مِنْ عُمْقٍ
نَفْسِيٍّ وَفَلْسَفِيٍّ نَادِرٍ.
تَدُورُ أَحْدَاثُ الرِّوَايَةِ فِي مَدِينَةِ سانت
بطرسبرغ الرُّوسِيَّةِ، حَيْثُ نَتَعَرَّفُ عَلَى الطَّالِبِ الْفَقِيرِ
رَاسْكُولْنِيكُوف، الشَّابِّ الذَّكِيِّ الَّذِي يُعَانِي الْفَقْرَ
وَالْعُزْلَةَ وَالِاضْطِرَابَ النَّفْسِيَّ. يَبْتَكِرُ هَذَا الشَّابُّ
نَظَرِيَّةً خَطِيرَةً تُقَسِّمُ الْبَشَرَ إِلَى فِئَتَيْنِ: أُنَاسٍ عَادِيِّينَ
يَخْضَعُونَ لِلْقَوَانِينِ، وَأُنَاسٍ اسْتِثْنَائِيِّينَ يَمْلِكُونَ الْحَقَّ
فِي تَجَاوُزِهَا مِنْ أَجْلِ غَايَاتٍ كُبْرَى.
وَبِدَافِعِ هَذِهِ الْفِكْرَةِ، يُقْدِمُ عَلَى
قَتْلِ مُرَابِيَةٍ عَجُوزٍ يَعْتَقِدُ أَنَّهَا شَرٌّ عَلَى الْمُجْتَمَعِ.
وَلَكِنَّ الْجَرِيمَةَ الَّتِي ظَنَّهَا عَمَلًا عَقْلَانِيًّا تَتَحَوَّلُ إِلَى
كَابُوسٍ لَا يَنْتَهِي. فَبَدَلًا مِنَ التَّحَرُّرِ، يَجِدُ نَفْسَهُ أَسِيرًا
لِعَذَابِ الضَّمِيرِ وَالْخَوْفِ وَالْهَوَسِ. وَهُنَا تَبْدَأُ الرِّوَايَةُ
الْحَقِيقِيَّةُ: رِوَايَةُ الصِّرَاعِ بَيْنَ الْعَقْلِ وَالضَّمِيرِ، وَبَيْنَ
الْفِكْرَةِ وَالْحَقِيقَةِ.
وَإِلَى جَانِبِ رَاسْكُولْنِيكُوف، تَبْرُزُ
شَخْصِيَّةُ سُونْيَا، الْفَتَاةُ الْفَقِيرَةُ الَّتِي تُمَثِّلُ النُّورَ
الرُّوحِيَّ وَالْإِيمَانَ وَالرَّحْمَةَ. وَمِنْ خِلَالِ الْعَلَاقَةِ
بَيْنَهُمَا، يَقُودُنَا دُوسْتُويِفْسْكِي إِلَى تَأَمُّلَاتٍ عَمِيقَةٍ حَوْلَ
الْخَطِيئَةِ وَالتَّوْبَةِ وَإِمْكَانِيَّةِ الْخَلَاصِ.
تَأْتِي هَذِهِ الرِّوَايَةُ فِي سِيَاقٍ
تَارِيخِيٍّ مُعَقَّدٍ. فَقَدْ كَانَتْ رُوسِيَا فِي النِّصْفِ الثَّانِي مِنَ
الْقَرْنِ التَّاسِعِ عَشَرَ تَعِيشُ تَحَوُّلَاتٍ اجْتِمَاعِيَّةً وَفِكْرِيَّةً
عَمِيقَةً. وَكَانَتِ الْأَفْكَارُ الثَّوْرِيَّةُ وَالنِّظَرِيَّاتُ
الْمَادِّيَّةُ وَالنِّزْعَاتُ الْعَقْلَانِيَّةُ تَجْذِبُ كَثِيرًا مِنَ
الشَّبَابِ الْمُتَعَلِّمِ. وَفِي هَذَا الْمُنَاخِ، جَاءَتِ الرِّوَايَةُ
لِتُحَذِّرَ مِنْ خَطَرِ الْأَفْكَارِ الَّتِي تَضَعُ الْإِنْسَانَ فَوْقَ
الْأَخْلَاقِ وَالضَّمِيرِ.
وَقَدِ اعْتُبِرَتْ «الْجَرِيمَةُ وَالْعِقَابُ»
رِوَايَةً خَالِدَةً لِأَنَّهَا تَجَاوَزَتْ زَمَانَهَا وَمَكَانَهَا.
فَالْأَسْئِلَةُ الَّتِي تَطْرَحُهَا مَا زَالَتْ حَيَّةً إِلَى الْيَوْمِ: هَلْ
يُمْكِنُ تَبْرِيرُ الْجَرِيمَةِ بِاسْمِ الْمَنْفَعَةِ؟ هَلْ يَسْتَطِيعُ
الْإِنْسَانُ الْهَرَبَ مِنْ ضَمِيرِهِ؟ وَمَا الْحُدُودُ بَيْنَ الْعَدَالَةِ
وَالِانْتِقَامِ؟
وَقَدْ أَثَّرَتِ الرِّوَايَةُ تَأْثِيرًا هَائِلًا
فِي الْأَدَبِ الْعَالَمِيِّ. فَكَثِيرٌ مِنَ الرُّوَائِيِّينَ وَالْمُفَكِّرِينَ
اسْتَلْهَمُوا مِنْهَا طَرِيقَةَ الْغَوْصِ فِي النَّفْسِ الْبَشَرِيَّةِ. كَمَا
أَسْهَمَتْ فِي ظُهُورِ مَا يُعْرَفُ بِالرِّوَايَةِ النَّفْسِيَّةِ الْحَدِيثَةِ،
وَأَثَّرَتْ فِي كُتَّابٍ كِبَارٍ فِي أُورُوبَّا وَأَمْرِيكَا وَسَائِرِ
أَنْحَاءِ الْعَالَمِ.
أَمَّا فِي السِّينَمَا، فَقَدْ حَظِيَتِ
الرِّوَايَةُ بِعَدَدٍ كَبِيرٍ مِنَ الِاقْتِبَاسَاتِ السِّينَمَائِيَّةِ
وَالتِّلْفَازِيَّةِ فِي بُلْدَانٍ مُخْتَلِفَةٍ. وَكَانَتْ شَخْصِيَّةُ
رَاسْكُولْنِيكُوف مِنْ أَكْثَرِ الشَّخْصِيَّاتِ الْأَدَبِيَّةِ جَاذِبِيَّةً
لِلْمُخْرِجِينَ وَالْمُمَثِّلِينَ بِسَبَبِ تَعْقِيدِهَا النَّفْسِيِّ وَغِنَاهَا
الدَّرَامِيِّ.
وَفِي الْفَلْسَفَةِ، تَرَكَتِ الرِّوَايَةُ
أَثَرًا بَالِغًا عَلَى النِّقَاشَاتِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْحُرِّيَّةِ
وَالْمَسْؤُولِيَّةِ وَالضَّمِيرِ الْأَخْلَاقِيِّ. وَيَرَى كَثِيرٌ مِنَ
الْبَاحِثِينَ أَنَّهَا مَهَّدَتِ الطَّرِيقَ لِعَدَدٍ مِنَ الْأَفْكَارِ الَّتِي
سَتَظْهَرُ فِيمَا بَعْدُ فِي الْفَلْسَفَةِ الْوُجُودِيَّةِ.
وَمِنْ أَشْهَرِ اقْتِبَاسَاتِ الرِّوَايَةِ قَوْلُ
رَاسْكُولْنِيكُوف:
«إِنَّ الْإِنْسَانَ يَعْتَادُ كُلَّ شَيْءٍ.»
وَهِيَ جُمْلَةٌ قَصِيرَةٌ، وَلَكِنَّهَا تَحْمِلُ
تَأَمُّلًا عَمِيقًا فِي قُدْرَةِ الْبَشَرِ عَلَى التَّكَيُّفِ مَعَ
الْمُعَانَاةِ وَالظُّرُوفِ الْقَاسِيَةِ.
أَمَّا رَأْيِي الشَّخْصِيُّ كَكَاتِبٍ، فَإِنِّي
أَعْتَبِرُ «الْجَرِيمَةَ وَالْعِقَابَ» مِنَ الرِّوَايَاتِ الَّتِي لَا تُقْرَأُ
مَرَّةً وَاحِدَةً. فَكُلُّ عَوْدَةٍ إِلَيْهَا تَكْشِفُ طَبَقَةً جَدِيدَةً مِنَ
الْمَعَانِي وَالْأَسْئِلَةِ. وَلَعَلَّ أَعْظَمَ مَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ
أَنَّهَا تُذَكِّرُنَا بِأَنَّ الْمَحْكَمَةَ الْحَقِيقِيَّةَ لَيْسَتْ دَائِمًا
فِي قَاعَاتِ الْقَضَاءِ، بَلْ فِي أَعْمَاقِ الضَّمِيرِ الْإِنْسَانِيِّ.
أَعِزَّائِي الْمُسْتَمِعِينَ، نَصِلُ إِلَى
خِتَامِ حَلْقَتِنَا الْيَوْمَ، عَلَى أَمَلِ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الرِّحْلَةُ
قَدْ أَثَارَتْ فُضُولَكُمْ لِقِرَاءَةِ هَذِهِ الرَّائِعَةِ الْخَالِدَةِ. وَفِي
الْحَلْقَةِ الْمُقْبِلَةِ، سَنَفْتَحُ مَعًا صَفَحَاتِ عَمَلٍ أَدَبِيٍّ آخَرَ
لَا يَقِلُّ سِحْرًا وَعُمْقًا، لِنُوَاصِلَ اكْتِشَافَ الْكُنُوزِ الَّتِي
تَخْتَبِئُ بَيْنَ سُطُورِ الْأَدَبِ الْعَالَمِيِّ.
إِلَى اللِّقَاءِ.
أُرَحِّبُ بِكُمْ فِي حَلْقَةٍ جَدِيدَةٍ
مِنْ بُودْكَاسْتِ الأَدَبِ الْعَالَمِيِّ، حَيْثُ نَتَوَقَّفُ الْيَوْمَ عِنْدَ
وَاحِدَةٍ مِنْ أَعْظَمِ الرِّوَايَاتِ الَّتِي أَنْجَبَهَا الأَدَبُ
الْإِنْسَانِيُّ، وَهِيَ رِوَايَةُ «الإِخْوَةُ كَارَامَازُوف» لِلْكَاتِبِ الرُّوسِيِّ الْعَظِيمِ فِيودُور دُوسْتُويِفْسْكِي.
أُرَحِّبُ بِكُمْ فِي حَلْقَةٍ جَدِيدَةٍ مِنْ بُودْكَاسْتِنَا الأَدَبِيِّ، حَيْثُ نَسَافِرُ الْيَوْمَ إِلَى وَاحِدَةٍ مِنْ أَعْجَبِ رَوَائِعِ الأَدَبِ الْعَالَمِيِّ، وَهِيَ رِوَايَةُ «مُرْتَفَعَاتُ وُذَرِنْغ» لِلرَّوَائِيَّةِ الإِنْجِلِيزِيَّةِ Emily Brontë إِيمِيلِي بْرُونْتِي. وَهِيَ الرِّوَايَةُ الْوَحِيدَةُ الَّتِي كَتَبَتْهَا، وَصَدَرَتْ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ سَنَةَ 1847
أنهى الكاتب والباحث المغربي عبده حقي إنجاز كتاب نقدي جديد بعنوان «القارئ الهجين: نحو نظرية للتلقي الخوارزمي والقراءة ما بعد الخوارزمية»، وهو...
